في سياق الأزمة الاقتصادية والجفاف المستمر، أعلن بالمغرب عن إلغاء شعيرة عيد الأضحى لهذه السنة، في خطوة استثنائية تعكس حجم التحديات التي تواجه الاقتصاد الوطني، خاصة في شقه الفلاحي. هذا القرار، رغم كونه يستند إلى اعتبارات مناخية واقتصادية، يطرح تساؤلات أعمق حول هشاشة النموذج الفلاحي الوطني، وتداعيات السياسات الاقتصادية على القدرة الشرائية للمواطنين، لاسيما في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل الحقيقي للأسر.
لا يمكن فصل قرار إلغاء عيد الأضحى عن تدهور القدرة الشرائية للمغاربة، التي أصبحت تشكل محور النقاشات الاقتصادية خلال السنوات الأخيرة. فقد شهد عيد الأضحى الماضي ارتفاعًا غير مسبوق في أسعار الماشية، ما دفع العديد من الأسر إلى التخلي عن الأضحية، وهو مؤشر واضح على عمق الأزمة الاقتصادية التي تمس الفئات الوسطى والضعيفة على حد سواء.
يعود هذا الوضع إلى عدة عوامل، أبرزها التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة، بالإضافة إلى تداعيات الجفاف الذي أدى إلى تراجع إنتاج العلف، مما انعكس مباشرة على أسعار الماشية. أمام هذه الظروف، أصبح اقتناء الأضحية يشكل عبئًا ماليًا كبيرًا على الأسر، وهو ما يعكس تفاقم التفاوتات الاجتماعية بين الفئات القادرة على تحمل تكاليف العيد وتلك التي تجد نفسها مجبرة على التنازل عن هذه الشعيرة.
يرتبط ضعف العرض في سوق الماشية بشكل وثيق بالسياسات الفلاحية التي تم تبنيها خلال العقدين الماضيين. فـ”المخطط الأخضر”، الذي كان يهدف إلى تحقيق “تحول نوعي” في الفلاحة المغربية، ركز بالأساس على تطوير الفلاحة التصديرية، مما أدى إلى توجيه الموارد المائية والأراضي الزراعية نحو إنتاج موجه للأسواق الخارجية، على حساب الإنتاج الفلاحي الموجه للسوق الداخلية، وخاصة قطاع تربية المواشي.
في ظل الجفاف المتكرر، أصبح من الواضح أن هذا النموذج الفلاحي غير قادر على ضمان الأمن الغذائي للمواطنين، حيث أدى نقص الأعلاف وارتفاع تكلفتها إلى تراجع أعداد الماشية بشكل كبير. كما أن ضعف دعم الفلاحين الصغار زاد من هشاشة القطاع، مما جعل السوق أكثر عرضة لتقلبات الأسعار والمضاربات.
رغم أن قرار إلغاء عيد الأضحى يأتي في سياق أزمة استثنائية، إلا أنه يكشف عن اختلالات هيكلية تحتاج إلى معالجات جذرية، بدل الاكتفاء بحلول ظرفية. فالرهان اليوم يجب أن يكون على تعزيز السيادة الغذائية، من خلال:
▪︎ إعادة هيكلة السياسات الفلاحية، بحيث يتم توجيه الموارد نحو دعم الفلاحين الصغار وتحقيق التوازن بين الفلاحة التصديرية والفلاحة الموجهة للسوق الداخلية.
▪︎ الحد من المضاربات في الأسواق، عبر آليات رقابية تضمن استقرار أسعار المنتجات الفلاحية الأساسية، بما في ذلك الماشية.
▪︎تعزيز القدرة الشرائية للمواطنين، من خلال سياسات اقتصادية واجتماعية أكثر عدالة، تضمن توزيعا منصفًا للثروة وتحد من الفوارق الاجتماعية المتزايدة.
في ظل هذه الظروف، يبقى التحدي الأساسي هو بناء نموذج اقتصادي أكثر استدامة وإنصافًا، يكون قادرًا على التكيف مع التغيرات المناخية والاقتصادية، دون أن يكون ذلك على حساب الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع.