مشروع القانون الذي صادقت عليه الحكومة أخيرا، والمتعلق بإحداث لجنة تتولى اختصاصات المجلس الوطني للصحافة؛ انتكاسة وانهيار للبنيان الهش أصلا لما يفترض فيه أن يشكل بيتا لمهنة الصحافة؛ لكن هذا لا يمنعه، إذا كنا بصدد مناقشة أفكار وطروحات خاصة بفئة يفترض فيها أنها جزء من نخبة المجتمع، من أن يصبح فرصة جماعية، إن لم يكن لإنجاز شيء ملموس، فلفتح نقاش صحي ومحترم، بدل تحويله إلى مطية لإشعال حرب أهلية وتفتيت المفتت.
يتعلّق الأمر بخطوة تدبيرية صادرة عن الجهاز الحكومي بما يمثله من سلطة تنفيذية ومصدر تهديد بديهي، في جميع أنحاء العالم، لحرية الصحافة واستقلاليتها. هنا ينبغي أن يبدأ النقاش وينتهي، أي مناقشة سلوك تدبيري صادر عن فاعل سياسي، وليس أي فاعل. أما أن يتطوع البعض لعرض خدمات الترافع نيابة عن هذه السلطة، فموقف سخيف يسيئ إلى أصحابه سواء كانوا أشخاصا أو هيئات.
علينا أن نعترف بوقع الانتكاسة والانهيار هذا إذا أردنا فتح الباب أمام أي نقاش بناء ومنتج. لا يمكن لصاحب ذرة عقل أن يدافع عن الخطوة او يعتبرها مساهمة إيجابية في الوقت الذي نص فيه الدستور قبل 12 عاما على تشجيع التنظيم الذاتي لمهنة الصحافة وصدرت القوانين المتضمنة في مدونة الصحافة قبل ست سنوات، وحققنا تجربة أولية، ليست مثالة ولا ناجحة كليا هذا صحيح، لكن المنطق يفترض الحفاظ على المكتسب مهما كان صغيرا، وتثمينه وترصيده، ثم التقدم نحو تحقيق المزيد من المكتسبات وتجاوز الاختلالات.
عملية المراجعة التي نعيشها اليوم تحطيمية تخريبية بامتياز، ولا يمكن التعويل عليها في تحقيق أي تقدم. وما يشير إليه البعض اليوم، مثل بلاغ النقابة الوطنية للصحافة المغربية، من كون المآل الذي صرنا إليه كان متوقعا، لا يقدم أي تبرير مفيد للدفاع عن المشروع، بل هو حجة ضد الحكومة التي بادرت اليوم إلى هدم تجربة فتية (أقصد بالتجربة المسار الكامل الذي بدأ من الدستور ولا أقصد مؤسسة أو أشخاصا معينين)، مثلما تهدم جرافات السلطة أي بناء عشوائي نبت في غفلة منها.

إذا كان ما نعيشه اليوم منتظرا ومتوقعا، فلماذا انتظرت الحكومة كل هذ الوقت، وتفرجت على الوضع إلى أن وصل إلى الباب المسدود (أو أوصلته عن سبق إصرار وترصد في الحقيقة)، لتأتي في النهاية لتلعب دور المنقذ المزعوم؟ الحكومة هي أول مسؤول عن هذا المآل، وهي أول من يجب أن يحاسب ويساءل لأنها تقوم منذ ثلاث سنوات، بصرف المال العام، أموال دافعي الضرائب من المغاربة الذين يعيشون شظف العيش ويكتوون بغلاء الأسعار، لتضخها في حسابات أجراء قطاع الصحافة دون سند ولا مرجع ولا رؤية حول مفعول ونجاعة عملية صرف المال العام هذه. ولو كانت نية المدبرين والمقررين سليمة، لبادروا مباشرة بعد تجاوز صدمة الجائحة في عامها الأول (2020)، إلى وضع إطار تعاقدي جديد يبرر مدّ يديها إلى مالية المغاربة وصرفها لتغطية أجور العاملين في قطاع الصحافة، ولو كانت نيتها سليمة ومرتبطة بثغرة قانونية تحول (زعما زعما) دون تنظيم الانتخابات، لأتت قبل عام أو أكثر بمشروع قانون يملأ هذه الثغرة، ولما اكتفت كأغلبية حكومية بتوريط فرقها البرلمانية في مقترح قانون أقل ما يقال عنه إنه “مقترح العار”، والذي جرى سحبه لحسن الحظ.
لقد كنا إلى وقت قريب، مع كل ما عشناه من تجارب وأحداث أليمة، ندافع بكل صدق وثقة، عن التجربة المغربية كحالة متقدمة في مجال السعي نحو التنظيم الذاتي لمهنة الصحافة. نعم وسط كل هذا الدمار والخراب، كنت خلال العامين الماضيين، واحدا من المغاربة الذين شاركوا في برنامج زمالة دولية في مجال التنظيم الذاتي للصحافة، والذين دافعوا (بكل صدق وثقة مرة أخرى)، عن التجربة المغربية. ولم يكن دفاعنا هذا شوفينية ولا مجرد رغبة في تلميع صورة بلادنا في الخارج، بل كانت قناعة حقيقية بكون المغرب أول دولة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، يقوم بخطوة فعلية (عبر الدستور والنصوص القانونية على الأقل)، نحو إقرار التنظيم الذاتي لمهنة الصحافة.
نعم، وسأتحدث عن نفسي فقط، وأنا أعلم أن بعض الأصدقاء في السويد والدانمارك وتونس ولبنان وفلسطين، ممن شاركوا السنة الماضية في أطوار سنة كاملة من النقاش والتكوين والتفاعل حول مسألة التنظيم الذاتي، سيقرؤون ما أكتبه الآن؛ لقد كنت صادقا في تقديم التجربة المغربية كنموذج متقدم لأن لدينا على الأقل تجربة قائمة (جنينية) ونصوصا قانونية تتحدث عن التنظيم الذاتي، بينما يعاني بعض الأصدقاء في دول محيطنا القريب من غياب حتى نص قانوني يعترف بالصحافة الرقمية.

ومع كامل القناعة واليقين بأن التجربة لم تكن مثالية، دافعت بكل صدق ووضوح في الفرص التي أتيحت لي، سواء مع منظمة العفو الدولية وجمعية “مؤازرة”، بدعوة من الأستاذ عبد العزيز النويضي، او المنتدى المغربي للصحافيين الشباب أو منظمة مراسلون بلا حدود وأنشطة لمنظمة اليونسكو أو غيرها من المناسبات؛ على فكرة حماية وتكريس المكتسبات الحالية وعدم فتح الباب أمام أية مراجعة شاملة للقوانين الحالية. نعم قلت ذلك وأعيده وأكرره: نحن في مرحلة انحدار نحو الانحطاط (سياسيا) ولا يمكن لأي ورش يفتح في هذا المجال إلا أن يكون انتكاسة في هامش حرية واستقلالية الصحافة. والثغرات الموجودة كان بالإمكان ملؤها واستكمال بناء ما تقرر منذ 2011 أولا ثم يمكن التطوير والتحسين كلما دعت الممارسة إلى ذلك.
الذي ينتظر من مشاركتي هذه في النقاش حول هذا الموضوع أن أنحدر به إلى مستوى مناقشة الأشخاص يمكنه أن يغلق هذه الصفحة ويكف عن القراءة من الآن لأنه يضيع وقته. كنت دائما، وما زلت، رافضا لمنطق الشخصنة هذا، ولا أعتقد أن الأمر يتعلق بفئتين من الناس: شياطين وملائكة، ينبغي الانتصار لإحداهما ضد الأخرى. هذا مستوى هابط من النقاش لا يحقق نفعا ولا ترجى منه فائدة، ومهما كانت لنا ملاحظات ومؤاخذات على الأشخاص، أعتقد أن من الجبن شيطنة شخص أو شخصين وتحميلهما مسؤولية كل ما يحصل. دعونا نبني التجربة أولا، ونكرسها ونثبتها قانونيا ومؤسساتيا وممارسة، وبعدها حتى إذا وصل الأشخاص غير المناسبون إلى مواقع القرار، فآليات الرقابة والمساءلة والانتخاب كفيلة بحملهم على التصحيح والمراجعة.
عمق المشكلة يكمن في كون مشروع القانون الحكومي يهدم فكرة التنظيم الذاتي من الأساس. ولو كنا في مرحلة التنزيل الأول للمقتضيات الدستورية الخاصة بحرية الرأي والتعبير، لكان جائزا قبول فكرة المشروع الحكومة، شريطة أن يتم تحضيره بانفتاح وتشاور و”تشاركية”. أما وقد صدرت القوانين وأحدثت المؤسسة، فلا يمكن الإصلاح إلى انطلاقا من الوضع القائم ودون تحطيم البناء بكامله فوق رؤوس من فيه.
هل يعلم الذين يدافعون عن مشروع القانون الحكومي أن التعريفات المعتمدة كونيا للتنظيم الذاتي تضع أكثر من علامة استفهام على التجارب التي يتم فيها إرساء هدا التنظيم بواسطة القانون أصلا؟ هل يعرفون أن التنظيم الذاتي، حتى يكون ذاتيا، ينبغي أن ينبع جله، إن لم يكن كله، من إرادة وتوافق المكونات المشكلة للمهنة، وأن الانطلاق في ذلك بواسطة قانون يجعلنا أقرب إلى وضعية التقنين أو في أحسن الأحوال التقنين المشترك؟
هل يعلم المتفرجون على عملية الهدم والتخريب الجارية أن التنظيم الذاتي ينطلق أولا من الهيئات المهنية، سواء الممثلة للصحافيين أو الناشرين؟ وأن الدعم العمومي للصحافة إذا كان ممارسة مشروعة وسائدة في التجارب الديمقراطية تعبيرا عن أهمية هذه المهنة ودورها الحيوي في إرساء الديمقراطية، فإن الهيئات المهنية حتى تزعم المشاركة في تجربة التنظيم الذاتي، عليها ان تعتمد على مواردها المالية الخاصة؟

لقد كنت ممن شعروا بالخجل حين كنا في ضيافة نقابة الصحافيين الدنماركيين العام الماضي، واكتشفنا كيف أن الصحافي هناك يدفع ما يقارب 700 درهم مغربية شهريا مقابل انخراطه في النقابة واستفادته من مظلتها لحماية استقلاليته تجاه المشغل واجاه السلطات؟ أما هيئات الناشرين في تجارب التنظيم الذاتي الحقيقية فتكون صاحبة النصيب الأكبر في تمويل مؤسسة مثل المجلس الوطني للصحافة، إذ لا يعقل ولا يستقيم الحديث عن تنظيم ذاتي لمهنة، في وقت تتلقى فيه مؤسستها العليا ميزانيتها وتعويضات مسؤوليها من الحكومة، ويتقاسم فيها صحافيوها غلافا ماليا مستقطعا من المال العام بدون وجه حق ولا سند شرعي، داخل أظرفة وزعت تحت السلالم كما لو كان غنيمة ناتجة عن عملية قرصنة (أقصد الدعم المفترى عليه الذي تم توزيعه في عهد حكومة بنكيران على الصحافيين والذي يستوجب محاكمة كل من شارك في صرفه بتلك الطريقة المهينة والبشعة).
التنظيم الذاتي كلفة وثمن أيضا أيها الواقفون على أعتاب موائد الفتات. ومع احترامي الكامل لاختيارات مواقف من يهللون لخطوة الرفع من أجور جزء من الصحافيين بألفي درهم مقسمة بين سنتين، سامحوني على التعبير الصادق، لكنه ضحك على الذقون وتضييع للحقوق ومعها جزء من الكرامة. إذا كانت زيادة ألف وألفي درهم مقابل التضحية بمواقف تتعلق بجوهر استقلالية المهنة ومستقبلها. المكاسب التي يستحقها الصحافيون وتحفز كرامتهم وتقوي مكانتهم وتعزز استقلاليتهم تجاه المشغلين وتجاه السلطة، هي أن يُضمن لهم تطبيق بند الضمير بكرامة، وأن يضمن لهم التقاعد التكميلي كي يتحول الصحافي المخضرم في نهاية عمره إلى مرجع في التأطير والرأي والتحليل، لا أن ينخرط في الركض مع الشبان المبتدئين لجني دخل يستر فقره بعد التقاعد، وهي أن تُضمن لهم التغطية الصحية التكميلية، وهي أن تصرف لهم منحة نهاية السنة، وهي وهي وهي، لكن حتما ليست هي زيادة مبتورة في أجور جزء من الصحافيين، مقابل تمهيد الطريق لبعض الأباطرة الجدد في المهنة نحو كعكة الدعم الموعود في الجلسات الليلية.
شخصيا لم أقدم على أي موقف بعد صدور قرار التمديد للمجلس الحالي، رغم الطابع السلبي لهذا الوضع، وحتى التمديد مجددا للمجلس لم يكن ليثير لدي كثير مخاوف، لأنه على الأقل يبقي المؤسسة قائمة، لا يهدم، لا يجتث، لا يحطم. أما وقد تم الشروع في نقل صلاحيات مؤسسة منتخبة للتنظيم الذاتي إلى لجنة معينة، فهو مؤشر مقلق يحيل على تجارب مقيتة للالتفاف على المكتسبات التي تتحقق في فترات الفوران الشعبي.
والقادم أسوأ !