في لحظة من اللحظات، خلال الأيّام الماضية، أحسست بشُعور مهول بالرُّعب، بعد أن احتسبت عدد النُّجوم التي تشتغل ليلا بعيدًا عن الأضواء، واحتسبت عدد الشُّموس التي تظهر نهارًا، كي تخفي كلَّ تلك النُّجوم وتسطع بنورها في أرجاء المعمور.
في لحظة ما أحسست بالرُّعب، لأنَّ القوانين الفلكيّة التي تحكم في السّماء قد وجدت ما يُقابلها لحكم العلم ومؤسّسات العلم في الأرض. كما أنَّ السّماء محكومة بحتميّة قوانين الحركة، فإنَّ الأرض محكومة بقوانين التَّفويض والتّمثيلية والنّيابة في كلّ مناحي الحياة السياسية، بما في ذلك الحياة التربويّة والعلميّة.
ظهر إحساسي بالرُّعب ومرارة العبث حينما تبيَّن لي بوضوح، أنَّ قانون التّفويض يخلُقُ الشُّموس ويخفي النُّجوم. هذا قانون يسري على السَّماء كما يسري على الأرض، كما جاء في الآية الكريمة “والشّمس تجري لمستقَرّ لها، ذلك تقدير العزيز العليم.” (سورة يس، 38) ولذلك من الطّبيعي أن نلجأ إلى آليات التّفويض في التَّفاوض والحُكم على مصير الجامعة المغربيّة خلال العقود المقبلة.

رُبَّ قائل، وهو يستهين بقُدرة المغاربة على الخلق والابتكار، “أنتم لا تملكُون إلا آليَّتين للمشاركة في اتّخاذ القرار والتّعبير عن الرّأي على كلّ واجهات المسؤوليّة ، وهُمَا “إنَّه نصَّ وفوَّضَ” على كلّ واجهات المسؤوليّة. وحينما تظهر الشمس يجب على النُّجوم أن تختفي، ما دامت النُّجوم، في غفلة من أغلب المنتسبات والمنتسبين إلى الجامعة قد فوَّضت الشَّمس أن تتحدَّثَ باسْمهَا. ومن غير المعقول أن نختار سبيلا آخر غير التّفويض، ما دام أنَّ تنظيم التفويض واتّخاذ القرار في المجتمع العالم لا يختلف عن طرق التنظيم في مختلف النّقابات العمّالية والمهنيّة.
هكذا، نستهين بقُدرة المغاربة على التّفكير والاجتهاد والتَّداول العمومي في شأن مستقبل الجامعة. اقتنعنا من زمان أنَّ الحلَّ هو اعتماد الشَّرعيّة والمشاركة في اتّخاذ القرار باسْم التَّفويض، ونحن واثقون أنّه لا يوجد طريق آخر غيره. هكذا، أصبحت النُّجوم المتلألئة آناء الليل تنتظر انبلاج الصَّباح، في انتظار ما يأتي وقد لا يأتي.
توجد ألسنة خبيثة في الغرب توجّه تهمة سيّئة إلينا، بقولها، أنتم مجتمع الشّريعة، شريعة التَّفويض الإلهي أو التَّفويض البَشَري. لا تستطيعون احترام شخص إلا من حظي بالتَّفويض؛ وكلُّ ما عدا ذلك من آليات الحوار والمُناقشة والتَّفاوُض فأنتم بعيدون عنها، لأنها آليات تنتمي إلى العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة التي تشكّلت في الغرب على امتداد قرون وعقود وأنتجت آليات حوار متكاملة مع آليات التّفويض والتَّفاوُض.
بهذا المعنى، حتّى عندما تظهر الشُّموس لا نريد أن نحكم على النُّجوم بالضُّمور، في انتظار أن تتكامل آليات التفويض مع مشاركة كل من يغار على الجامعة من داخلها وخارجها في بناء مستقبل أفضل للعلم والعلماء. أتمنّى ألا يكون هذا الحُكم الغربيُّ علينا صحيحًا، وإلا ازداد شعوري بالغربة هولًا.