تحولت جماعة فاس إلى مسرح فاضح لنهب المال العام، حيث يتكالب أعضاء النخبة السياسية على الامتيازات والغنائم، بينما تُترك الجماهير الشعبية لمصيرها المحتوم من البطالة والتهميش. حيث نجد أن المدينة تُستنزف من مواردها لصالح قلة متنفذة، بينما الكادحون يُدفعون نحو الهامش، أو يُجبرون على الهجرة بحثًا عن لقمة العيش.
منذ تولي هذا المجلس رئاسة جماعة فاس، توالت الفضائح، كاشفة عن بنية الفساد الراسخة في دواليب الحكم المحلي. ما بين تبديد الأموال العمومية، الارتشاء، استغلال النفوذ، والتزوير، تتعدد الأشكال، لكن الجوهر واحد: شبكة من الانتهازيين الذين يرون في تسيير الشأن العام فرصة للإثراء غير المشروع.
تبدأ القصة من قلب الجماعة، حيث أُدين البقالي نفسه إلى جانب شخصيات نافذة أخرى بتهم تشمل الاختلاس وتبديد المال العام. وتواصلت الفضيحة مع الكشف عن منح رخص غير قانونية لصالح المحظوظين، في مقابل إقصاء فئات واسعة من المواطنين من أي حق في العيش الكريم. ولم تقتصر الفوضى على الفاعلين المباشرين، بل امتدت إلى شخصيات مثل المستشارة سارة خضار، التي لم تجد حرجًا في الفرار خارج البلاد قبل أن يتم اعتقالها في الإمارات وإعادتها للمغرب، في مشهد يعكس مدى ارتباط هذا الفساد بشبكات ممتدة خارج الحدود.
مدينة تُسرَق مرتين: النهب الداخلي والطرد الاجتماعي:
لكن السؤال المركزي هنا ليس فقط من يسرق؟ بل من يدفع الثمن؟ والجواب واضح: العمال، المعطلون، الفئات الشعبية، وكل من لا يملك غير قوته اليومي.
فاس، التي كانت يومًا ما مركزًا تجاريًا وثقافيًا بارزًا، تعيش اليوم على وقع انهيار اقتصادي واجتماعي. البطالة تستشري، خاصة بين الشباب الذين يجدون أنفسهم أمام خيارين لا ثالث لهما: الهجرة أو الارتماء في براثن الجريمة والمخدرات.
المدينة التي لا توفر فرص شغل لشبابها، في ظل غياب أي رؤية اقتصادية حقيقية، أصبحت طاردة لسكانها. نرى يوميًا موجات من أبناء فاس يغادرونها قاصدين مدنًا مثل الدار البيضاء وطنجة، حيث تتركز بعض أنشطة الاقتصاد الرأسمالي المرتبط بالسوق العالمية. هذه الهجرة الجماعية ليست مجرد انتقال مكاني، بل هي نتيجة منطقية لاقتصاد ريعي لا يُنتج الثروة، بل يقتات من الريع والمضاربات ونهب الميزانيات العمومية.
بينما يستثمر المنتخبون ورجال السلطة في عقارات داخل وخارج البلاد، تستمر فاس في الغرق في فقرها، حيث تنهار بنيتها التحتية، فالمدينة التي تفتقد لمشاريع تنموية حقيقية، تُترك لشبابها ليواجهوا مصيرًا بائسًا: إما البحث عن فرص في مدن أخرى، أو الانخراط في اقتصاد غير رسمي محفوف بالمخاطر، أو الغرق في العنف والجريمة.
بما أن الدولة المغربية قائمة على توازنات بين مصالح الرأسمال المحلي والدولي، فإن الجماعات المحلية ليست سوى انعكاس لهذا المنطق، حيث يتم توزيع المناصب لضمان ولاءات سياسية، لا لخدمة الساكنة.
إن ما يحدث في فاس ليس استثناءً، بل نموذج متكرر عبر مختلف المدن المغربية. فطالما بقيت الثروة مركزة في يد حفنة من المنتفعين، وطالما ظل الشعب مستبعدًا من أي مشاركة حقيقية في القرار، ستبقى مدن مثل فاس في حالة احتضار دائم، تدفع أبناءها للرحيل بحثًا عن الحد الأدنى من الكرامة، وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم: إلى متى ستستمر الجماهير الشعبية في دفع ثمن فساد نخبة لا همّ لها سوى تأمين امتيازاتها؟