يشكل العمال العرضيون داخل جماعة فاس نموذجًا واضحًا لاستغلال الهشاشة المهنية في خدمة الحسابات السياسية. فبدل أن يكون التشغيل داخل المرفق الجماعي مبنيًا على معايير الكفاءة والحاجة الحقيقية، أصبح وسيلة للزبونية الانتخابية، حيث يُوظَّف العمال العرضيون ليس بناءً على مؤهلاتهم، بل وفقًا لانتماءاتهم الجغرافية و الحزبية ولعلاقاتهم بالمستشارين الذين يستغلون حاجتهم إلى العمل لضمان ولاء سياسي طويل الأمد.
في ظل هذا الواقع، نجد أن الأغلبية الساحقة من العرضيين يتم استقدامهم من طرف مستشارين في مناطقهم، ليس بناءً على معايير واضحة، ولكن كجزء من منطق توزيع الامتيازات الانتخابية. والأدهى أن العديد منهم لا يقومون بأي مهام فعلية، بينما تُلقى أعباء العمل الأساسية على فئة قليلة منهم، والتي تُؤدي مهام إدارية حيوية داخل مختلف مصالح الجماعة.
هذا الوضع يجعل المرافق الجماعية تعجُّ بعمال عرضيين، حيث لا تخلو أي مصلحة منهم، خصوصًا في مصلحة الحالة المدنية، حيث يتولون مهامًا تعادل أو تفوق في كثير من الأحيان ما يقوم به الموظفون الرسميون. والأكثر غرابة، أن هؤلاء العمال غالبًا ما يتوفرون على شواهد علمية قد تفوق مستوى غالبية الموظفين، ورغم ذلك، يُتركون في وضعية هشة، بأجور لا تتجاوز 1800 درهم، واقتطاعات غير مبررة تزيد من هزالة مداخيلهم، وبدون تغطية صحية أو تعويض عن أيام العطل الأسبوعية.
بالإضافة إلى الأجور المتدنية والغياب التام للحقوق الاجتماعية، يُعاني العمال العرضيون من التوقيف السنوي لعدة أشهر تحت ذريعة “غياب الميزانية”، وهو مبرر واهٍ يتناقض مع الفائض المالي المسجل هذه السنة، والذي بلغ 142 مليون درهم. فكيف يمكن تبرير توقيف عمال يعيلون أسرهم بدعوى انعدام الميزانية، في حين أن الجماعة تحقق فائضًا بملايين الدراهم؟ هذا السؤال يكشف عن تناقض صارخ بين الخطاب الرسمي والواقع الفعلي، ويؤكد أن توقيف هؤلاء العمال ليس مرتبطًا بصعوبات مالية، بل هو جزء من منطق إبقائهم في وضعية هشّة، رهينة بقرارات المنتخبين الذين يستثمرون في ضعفهم لاستغلالهم انتخابيًا.
إن الوضع الحالي للعمال العرضيين بجماعة فاس ليس مجرد اختلال إداري، بل هو انعكاس لغياب رؤية إصلاحية حقيقية لمنظومة التشغيل داخل المرافق الجماعية. وإصلاح هذا الوضع يقتضي:
1)الإدماج التدريجي لهؤلاء العمال في الوظيفة الجماعية، وفق معايير عادلة تأخذ بعين الاعتبار كفاءتهم وتجربتهم المهنية.
2) إقرار أجور تتناسب مع العمل الذي يقومون به، وضمان استفادتهم من الحقوق الاجتماعية الأساسية، مثل التغطية الصحية والتعويض عن العطل.
3) وضع حد للتوظيف الزبوني، واعتماد معايير شفافة في التشغيل الجماعي، تحول دون استخدام المناصب المؤقتة كورقة انتخابية في يد المنتخبين.
4) إقرار آلية لمراقبة التوظيف العرضي داخل الجماعة، لضمان توظيف هذه الفئة في مهام حقيقية وليس كوسيلة للترضية السياسية.
من جهة أخرى، فإن استمرار هذا الوضع لا يُسيء فقط للعمال العرضيين الذين يُستغلّون بشكل فجّ، بل يضرب في العمق مصداقية التسيير الجماعي، ويكرّس منطق الفوضى والزبونية بدل الحكامة والعدالة الاجتماعية. فهل تتحرك الجهات المسؤولة لوضع حد لهذه المهزلة، أم أن العمال العرضيين سيظلون مجرد وقود انتخابي
يُستهلك مع كل استحقاق، ثم يُترك لمصيره المجهول؟