يبدو أن كل محاولات الحفاظ على التماسك الحكومي حتى نهاية ولايتها باتت مهمة صعبة لدى مكوناتها الثلاث، حيث لا تكاد تنطفئ شعلة أزمة حكومية حتى تشتعل أخرى خصوصا مع اقتراب الانتخابات البرلمانية لشتنبر2026 ، آخر فصول المواجهة الحكومية الآخذة في الارتفاع، ملف مستوردي الأغنام والذي غرق فيه حزب التجمع الوطني للأحرار الذي يقود الحكومة، وذلك بموازاة تصاعد مطالب التحقيق فيه.
وفي هذا السياق ارتفع مؤخرا منسوب التلاسن وتبادل الاتهامات داخل مكونات حكومة أخنوش، حيث اختار نزار بركة، وزير التجهيز والماء والأمين العام لحزب الاستقلال، استغلال أي فرصة تتعلق بتجمع حزبي أو خروج إعلامي لفضح كما يقول الاستقلاليون، “اختلالات” دعم استيراد الأبقار والأغنام والتي تسببت في تبديد أموال عامة، أبطالها مستوردون يوجد من بينهم برلمانيون استفادوا من إعفاء ضريبي من خلال إلغاء الرسوم الجمركية على استيراد الابقار والأغنام، وهو الإعفاء الذي كلف خزينة الدولة بحسب الأمين العام لحزب الاستقلال و وزيره في الصناعة والتجارة، رياض مزور، 13 مليار درهم، أي ما يعادل (1300 مليار سنتيم) دون أن ينعكس ذلك على أسعار اللحوم الحمراء التي شهدت ارتفاعا غير مسبوق، ما أثار جدلا واسعا حول جدوى هذه التدابير ومدى استغلالها لمصالح شخصية، فيما الوزير الاستقلالي مزور بوجود نحو 18 مضاربا يتحكمون في سوق اللحوم الحمراء، عملوا على تضخم هوامش الربح بشكل غير مسبوق.
تصريحات الاستقلاليين بخصوص مستنقع مستوردي الأغنام والأبقار والذي غرق فيه رئيس الحكومة أخنوش وحزبه بحكم انتساب أغلب المستفيدين من”أمواله السايبة”إلى حزب”الأحرار” وأنصار، (التصريحات) أثارت غضب التجمعيين قيادة وقاعدة، حيث خرج رشيد الطالبي العلمي لينوب عن رئيس الحكومة والحزب للرد على الخرجات الإعلامية لقيادة حزب الاستقلال ووزرائه، إذ كشف العلمي، عضو المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار ورئيس مجلس النواب، بأن ما خرج به نزار بركة، وزير التجهيز والماء والأمين العام لحزب الاستقلال، حول قضية استيراد الأغنام والأبقار وما حصلوا عليه من دعم مالي قيمته مليار و300 مليون درهم، معطيات غير صحيحة ولا تمت للواقع بصلة.
وأوضح العلمي الذي حل مساء أمس الجمعة ضيفا على برنامج “السياسة بصيغة أخرى” الذي تقدمه مؤسسة الفقيه التطواني، أن المبلغ الحقيقي الذي تم تخصيصه لعملية استيراد الأغنام والأبقار لا يتعدى 300 مليون درهم، مشيرا إلى أن تسويق الرأس الواحد من الغنم المستورد بمبلغ يتراوح بين 4000 و4500 درهم “كان نتيجة متوخاة”.
وبخصوص عدد المستوردين الذين حصلوا على دعم استيراد المواشي، قال العلمي على أن الأمر يتعلق بـ100 مستورد، وأن المبلغ الذي صرف لهم من الميزانية العامة، كما هو موثق بالوثائق، هو 300 مليون درهم فقط.
واتهم الطالبي العلمي نزار بركة و ووزراء حزبه بالحكومة، “بتسييس” ملف مستوردي الأغنام والأبقار، مشددا على أن خرجة نزار بركة الأخيرة، ” جاءت في إطار تجمع حزبي، و في مثل هذه التجمعات الكل يدلي بما يريد”، فيما خاطب اللعلمي الاستقلاليين ومن خلالهم خصوم حزب “الأحرار” و رئيس حكومته، بقوله :“إذا كان هناك متضرر من العملية، ولديه انطباع بأن هناك اختلاسا فليذهب إلى القضاء، فلا يوجد أحسن منه هو الذي يفصل”. :
الغنبوري يحصي رسائل الطالبي العلمي إلى نزار بركة وحزبه
رد الطالبي العلمي على نزار بركة أماط اللثام عن عدة متناقصات تسود وسط مكونات الحكومة، ومدى اطلاع كل حزب من أحزابها الثلاثة على كل تفاصيل ملفات الشأن العام التي تدبرها الحكومة، حيث علق علي الغنبوري، رئيس مركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي، على “التراشق” الساخن مابين “الأحرار” و “الإستقلال” بسبب “اختلالات دعم استيراد الأبقار و الأغنام ” بقوله ” ليس هذا هو المهم، بل المهم هو مضمون تصريحات العلمي وخطورتها “.
وأوضح الغنبوري، بأن خرجة رشيد الطالبي العلمي، رئيس مجلس النواب والقيادي بحزب رئيس الحكومة،حملت معها أربعة أشياء تشكل خطورة على وضع الحكومة ومستقبلها وهي تحتاج لأي فرصة من وقتها الثمين لإكمال تنزيل ما وعدت به المغاربة، أولها يردف الغنبوري، اتهام العلمي لبركة بالكذب على المغاربة، وثانيها فإن العلمي يوجه رسالة واضحة للجميع مفادها أن نزار البركة لا يعلم ما يجري داخل الحكومة، وكل ما يتوفر عليه ما هو إلا استراق للسمع.
أما المعطى الثالث في تعليق الغنبوري على خرجة الطالب العلمي ضد نزار بركة، يتعلق بالرسالة المرسلة من قبل قيادي بحزب رئيس الحكومة مفادها أن “الحكومة تدار من نواة محددة والباقي مجرد مؤثت للحكومة”، فيما ربط الغنبوري المعطى الرابع في كون العلمي أقر بوضوح بأن احزاب التحالف دشنت حملة انتخابية سابقة لأوانها، مشددا على أن الطالبي العلمي في خرجته ليوم امس الجمعة، وتكذيبه لمعطيات نزار بركة وكذا الوزير الاستقلالي مزور، إنما يريد الطالبي العلمي من وراء ذلك بان يبلغ رسالة لقيادة حزب الاستقلال مفادها، “بعد هاذ الهضرة على ملف استيراد الابقار والاغنام، إيلا بغيتو وعندكم القدرة تخرجو من الحكومة اخرجو”.
رسائل الطالبي العلمي المشفرة والظاهرة الموجهة للاستقلاليين، لن تمر بحسب المتتبعين مرور الكرام، مما يؤشر على أزمة حقيقية داخل الحكومة والتي دشنت مكوناتها تسخينات انتخابية مبكرة وأشعلت “النار” في جلباب الأغلبية الحكومية.
وكان الناشط الحقوقي محمد الغلوسي، رئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام، قد دعا وسط موجة تبادل للاتهامات داخل الحكومة في قضية شبهات فساد مالي في قطاع استيراد الأبقار والأغنام، حيث تحدثت التقارير عن استفادة 18 مستوردًا من مبالغ مالية ضخمة بلغت حوالي 73 مليار سنتيم لكل واحد منهم،(دعا) تعميق البحث مع جميع الأطراف المتورطة، دون أي استثناء أو تمييز، مشددًا على ضرورة إغلاق الحدود في وجه المشتبه فيهم، لضمان سير التحقيقات وفقًا للقانون.
كما طالب الغلوسي بحجز ممتلكات وأموال المتورطين، مع تحريك مساطر الاشتباه في غسل الأموال، ومصادرة الثروات المشبوهة لفائدة خزينة الدولة، مشددا على أن”هذه الامتيازات المالية غير المستحقة جاءت في إطار دعم حكومي يهدف إلى خفض أسعار اللحوم الحمراء، إلا أن المواطنين لم يلمسوا أي انخفاض في الأسعار، التي ظلت مرتفعة بشكل غير مسبوق، حيث تمكن عدد من السماسرة والمضاربين من الاستفادة من المال العام دون تحقيق الغاية المرجوة من هذا الدعم، مما يشكل “سرقة موصوفة لمقدرات المجتمع في واضحة النهار”، وفق تعبير رئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام،